الشيخ محمد حسين الحائري
334
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
الاختيار وأما بعد ارتفاعه فيمتنع بقاء التكليف بها ولا يلزم منه وقوعها بلا حكم بالنسبة إلى زمن الاختيار كيف وهي مورد التكليف الذي تحقق في ذلك الزمان وإنما اللازم وقوعها بلا حكم بالنسبة إلى ما بعد زمن الاختيار إذ لا تكليف بها فيه فهي واجبة مثلا أو محرمة بالايجاب السابق أو التحريم السابق كما أنها اختيارية بالاختيار السابق وليست واجبة أو محرمة بإيجاب مقارن أو تحريم مقارن كما أنها ليست اختيارية باختيار مقارن وقد مر التنبيه على ذلك في بحث المقدمة وعن الثاني أن حكم العقل بقبح التكليف بالمحال وطلبه يعم كلا من الصورتين كما يعمهما ما دل على عدم وقوعه من الآيات والاخبار ولا فرق في ذلك بين التكليف الابتلائي وغيره وربما فرق وهو ناشئ عن قلة التدبر نعم لا يقبح إيراد صورة الامر حينئذ من باب التهكم والإهانة أو حمل المخاطب على التحسر والتحزن كما في قوله قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا وقوله تعالى ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون وأما ما ورد في بعض الأخبار من أن من كذب في رؤياه متعمدا يكلفه الله يوم القيامة أن يعقد شعيرة وما هو بعاقد فالظاهر أن التكليف هنا بمعنى بيان طريق التخلص من عقوبة تلك المعصية أو للتنبيه على العجز عن التخلص كالعجز عن عقد الشعيرة وربما يحتمل أن يكون عند التكليف متمكنا من عقدها لكنه لا يفعله لصعوبته عليه حتى إنه يستهل العقوبة بالنسبة إليه ولعله من ذلك وأمثاله نشأ الوهم تتميم نفي التكليف بالمحال يعم سائر المذاهب والأديان وأما التكليف بما فيه عسر وحرج فنفي في شريعتنا ويدل عليه بعد الاجماع قوله تعالى ما جعل عليكم في الدين من حرج وقال تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وقال صلى الله عليه وآله بعثت بالحنيفية السهلة السمحة إلى غير ذلك من الآيات والاخبار وبالجملة فالمستفاد منها قاعدة كلية هي أنه تعالى لم يكلف هذه الأمة بالتكاليف الشاقة وإنما كلفهم بما دون الطاقة فكل حكم يؤدي إلى العسر والحرج بالنسبة إلى أكثر موارده وأغلب أفراده مرتفع عنا من أصله حتى بالنسبة إلى الموارد التي لا يترتب عليه فيها عسر وحرج إذ إناطة الحكم حينئذ بصورة تحقق العسر والحرج مؤدية أيضا إلى العسر والحرج ألا ترى أنه لو أجيز لنا الاكل أو الشرب أو النظر أو النوم أو الكلام أو المشي أو ما أشبه ذلك بقدر ما يندفع به العسر والحرج لأدى إلى العسر والحرج وأما الاحكام التي لا تؤدي إلى ذلك إلا نادرا فنفيها مقصور على الموارد التي يتحقق فيها العسر والحرج ومقدر بما يندفع به الضرورة كأكل الميتة في المخمصة وشرب المتنجس عند العطش الشديد وما أشبه ذلك فلا يتعدى إلى غيرها ولا فيها إلى ما يزيد على القدر الضرورة إذ إناطة دفع المنع هنا بما يندفع به الحرج مما لا حرج فيه لندرة مورده قال جل شأنه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وقال تعالى ذكره فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم فإن الله غفور رحيم ثم إنه لما كان المستفاد من الآيات والاخبار المتعلقة بالمقام أن القاعدة المذكورة مطردة في جميع جزئياتها غير مخصصة في شئ من مواردها ليتم المنة على هذه الأمة من بين الأمم برفع الإصر عنهم كما سيأتي التنبيه عليه فربما توجه الاشكال عليها باعتبار أن جملة من الأعمال الشاقة قد ثبت التكليف بها في هذه الشريعة فلا بد من التنبيه عليها وعلى دفعها فمنها الجهاد وهو من أشق الأعمال لما فيه من تحمل الجروح وإتلاف النفوس والأموال ووجوبه عند تحقق شرائطه معلوم من الدين والجواب أن المعتبر في المقام ما يكون فيه حرج وضيق على أغلب الأنام فلا عبرة بالنادر منهم نفيا وإثباتا ولا ريب أن الاقتحام في الحروب مما يستسهله ويتعاطاه أكثر الناس لدفع العاد عن نفسه وحماية ماله أو من ينتسب إليه من أهله وعشيرته أو لتشييد أركان من يصله ببعض العطايا وينعم عليه ببعض الهدايا بإذلال مخالفيه وإهلاك من يعاديه ولا ريب أن هذه الدواعي متحققة في نفس المؤمن بالنسبة إلى جهاد الكفار مع ما له فيه من رجأ الفوز بعظيم الاجر وجسيم الذخر فينبغي أن يكون في حقه أسهل وكذا الحال في وجوب المدافعة عن النبي صلى الله عليه وآله والإمام عليه السلام وتحمل ما يتوجه إليهما من الأعداء من الطعن والنبل وغير ذلك وإن علم بأدائه إلى التلف كما فعله أصحاب الحسين عليه السلام أعلى الله درجتهم وشكر سعيهم يوم الطف هذا ويمكن أن يقال يختلف صدق العمر والحرج باختلاف المصالح المقتضية للتكليف بالفعل فرب فعل عسر يعد سهلا بالنسبة إلى ما يترتب عليه من المصالح الجليلة وربما يعد ما دونه عسرا بالنسبة إلى قلة ما يترتب عليه من المصالح ألا ترى أن العبد مع كونه معدا للقيام بمصالح سيده وحوائجه لو أمره بمسير أيام لتحصيل مال يسير له كعشر درهم بحيث لا يكون مقصوده إلا تحصيل ذلك عد ذلك حرجا وتضييقا على العبد ولو أمره بمسير شهر لتحصيل أموال كثيرة له لم يعد حرجا وتضييقا عليه فكذلك العباد مخلوقون للقيام بمحاسن الأعمال والتحرز عن قبائحها فإذا قل حسن الفعل أو الترك وصعب على المكلف ولم يكن هناك ما يحسن تكليفه من جهة الاختيار كان التكليف به حرجا وإذا كمل حسنه وتناهى فيه لم يكن الامر به حرجا وإن صعب على المكلف ويشكل بأن مصالح الامتثال لأوامره تعالى ونواهيه بأسرها جليلة لما فيه من الفوز بالمثوبات الباقية والوصول إلى الدرجات العالية بل أقل تلك المثوبات أعظم من تحصيل جل فوائد الدنيا بل كلها فينبغي أن يستسهل فيه جميع الصعاب فلا يبقى أثر للقاعدة المسطورة وهو مخالف للآيات المذكورة ويمكن دفعه بأن تلك المثوبات وإن كانت في نفسها جليلة إلا أن أكثر العباد لحجبهم عنها وضعف يقينهم بها مع غلبة حب الواجدة عليهم وتطبعهم على مراعاة المصالح الظاهرية لو كلفوا بتحصيلها بمزاولة